فخر الدين الرازي

628

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِراتِ [ الأحزاب : 35 ] فلم لا يجوز أن يكون هاهنا كذلك ، ثم احتج الكوفيون بأن العامل الأول متقدم في الوجود على العامل الثاني ، والعامل الأول حين وجد اقتضى معمولا لامتناع حصول العلة دون المعمول ، فصيرورة المعمول معمولا للعامل الأول متقدم على وجود العامل الثاني ، والعامل الثاني إنما وجد بعد أن صار معمولا للعامل الأول فيستحيل أن يصير أيضا معمولا للعامل الثاني ، لامتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين ، ولامتناع تعليل ما وجد قبل بما يوجد بعد ، وهذه المسألة من لطائف النحو . المسألة الثالثة : الهاء للسكت في كِتابِيَهْ وكذا في حِسابِيَهْ [ الحاقة : 20 ] و مالِيَهْ [ الحاقة : 28 ] و سُلْطانِيَهْ [ الحاقة : 29 ] وحق هذه الهاءات أن تثبت في الوقف وتسقط في الوصل ، ولما كانت هذه الهاءات مثبتة في المصحف والمثبتة في المصحف لا بد وأن تكون مثبتة في اللفظ ، ولم يحسن إثباتها في اللفظ إلا عند الوقف ، لا جرم استحبوا الوقف لهذا السبب . وتجاسر بعضهم فأسقط هذه الهاءات عند الوصل ، وقرأ ابن محيصن بإسكان الياء بغيرها . وقرأ جماعة بإثبات الهاء في الوصل والوقف جميعا لاتباع المصحف . المسألة الرابعة : اعلم أنه لما أوتي كتابيه بيمينه ، ثم إنه يقول : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ دل ذلك على أنه بلغ الغاية في السرور لأنه لما أعطى كتابه بيمينه علم أنه من الناجين ومن الفائزين بالنعيم ، فأحب أن يظهر ذلك لغيره حتى يفرحوا بما ناله . وقيل : يقول ذلك لأهل بيته وقرابته . ثم إنه تعالى حكى عنه أنه يقول : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 20 ] إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) وفيه وجوه الأول : المراد منه اليقين الاستدلالي وكل ما ثبت بالاستدلال فإنه لا ينفك من الخواطر المختلفة ، فكان ذلك شبيها بالظن الثاني : التقدير : إني كنت أظن أني ألاقي حسابي فيؤاخذني اللّه بسيئاتي ، فقد تفضل علي بالعفو ولم يؤاخذني بها فهاؤم اقرؤا كتابيه وثالثها : روى أبو هريرة أنه عليه السلام قال : « إن الرجل يؤتى به يوم القيامة ويؤتى كتابه فتظهر حسناته في ظهر كفه وتكتب سيئاته في بطن كفه فينظر إلى سيئاته فيحزن ، فيقال له : اقلب كفك فينظر فيه فيرى حسناته فيفرح ، ثم يقول : هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ - عند النظرة الأولى - أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ على سبيل الشدة ، وأما الآن فقد فرّج اللّه عني ذلك الغم ، وأما في حق الأشقياء فيكون ذلك على الضد مما ذكرنا ورابعها : ظننت : أي علمت ، وإنما أجرى مجرى العلم . لأن الظن الغالب يقام مقام العلم في / العادات والأحكام ، يقال : أظن ظنا كاليقين أن الأمر كيت وكيت وخامسها : المراد إني ظننت في الدنيا أن بسبب الأعمال التي كنت أعملها في الدنيا سأصل في القيامة إلى هذه الدرجات وقد حصلت الآن على اليقين فيكون الظن على ظاهره ، لأن أهل الدنيا لا يقطعون بذلك . ثم بين تعالى عاقبة أمره فقال : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 21 ] فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) وفيه مسألتان : المسألة الأولى : وصف العيشة بأنها راضية فيه وجهان الأول : المعنى أنها منسوبة إلى الرضا كالدارع